مقدمة
يُعد الطين الأحمر المحروق أثرًا خاصًّا نتج عن الأنشطة البشرية القديمة المرتبطة بالنار، ويُعثَر عليه على نطاق واسع في المواقع السكنية وأفران الفخار وحفر التضحية وغيرها من الآثار التي تعود إلى العصر الحجري الحديث وصولاً إلى العصور التاريخية. وهو يُعد دليلاً ماديًّا مباشرًا لدراسة تقنيات استخدام النار لدى الإنسان القديم، وتقنياته المعمارية، واستراتيجيات كسب الرزق [1]. وباعتبارها مؤشرًا فيزيائيًا وكيميائيًا رئيسيًّا للطين الأحمر المحروق، فإن درجة حرارة الحرق الأصلية لا تعكس فقط قدرة الإنسان القديم على التحكم في النار ونضج تقنية الحرق، بل توفر أيضًا أساسًا مهمًا لاستنتاج أنماط الإنتاجية الاجتماعية واستخدام الموارد [2].
تحديد درجة حرارة الحرق
أصبحت تقنية قياس التمدد (DIL) تدريجيًّا واحدةً من أكثر التقنيات استخدامًا لتحديد درجة حرارة حرق الطين الأحمر الأثري، وذلك بفضل سهولة استخدامها، والضرر الضئيل الذي تلحقه بالعينة، ودقة القياس العالية، وقابلية التكرار الجيدة. وقد خضع الطين الأحمر المحروق لعمليات التجفيف، وإزالة الهيدروكسيل، وتحويل الطور، والتلبيد الأولي أثناء عملية الحرق القديمة، مما أدى إلى تكوين بنية مجهرية مستقرة. لذلك، أثناء إعادة الحرق، عندما تكون درجة الحرارة أقل من درجة حرارة الحرق الأصلية، لا تظهر العينة سوى تمدد حراري شبكي قابل للعكس؛ وبمجرد أن تتجاوز درجة الحرارة درجة حرارة الحرق الأصلية، تخضع المراحل غير المتبلورة المتبقية والمناطق المجهرية غير المتكلسة داخل العينة لمزيد من التكثيف، مما ينتج عنه تأثير انكماش يحد من تمددها الحراري[3]. وقد طُبقت هذه الطريقة على نطاق واسع في أبحاث تحديد درجة الحرارة للبقايا الأثرية.
العينة المستخدمة في هذه الدراسة هي طين أحمر محروق جديد لم يتعرض للعوامل الجوية، تم الحصول عليه من موقع أثري معين، وتم تشكيله على شكل مكعب مستطيل ذي مقطع عرضي منتظم ويبلغ طوله حوالي 25 ملم (الشكل 1). أُجريت الاختبارات باستخدام جهاز قياس التمدد الحراري ( NETZSCH DIL 402 ExpedisClassic .
ترد تفاصيل معلمات الاختبار في الجدول 1. أُجريت خمس عمليات تسخين، اثنتان منها بدرجة حرارة نهائية تبلغ 400 درجة مئوية، وثلاث بدرجة حرارة نهائية تبلغ 500 درجة مئوية. وبعد كل اختبار، تم تبريد العينة داخل الفرن حتى تصل إلى درجة حرارة الغرفة لضمان حالة أولية متسقة لكل عملية تسخين، وللتخلص من تأثير اختلاف الحالات الأولية على نتائج الاختبار.
الجدول 1: شروط القياس
| الجهاز | DIL 402 ExpedisClassic |
|---|---|
| أبعاد العينة | مستطيل، حوالي 10 × 10 × 25 مم |
| معدل التسخين | 5 كلفن/دقيقة |
| القوة الساكنة | 100 ميلين |
| حامل العينة | حامل من السيليكا المذابة |
| نطاق درجة الحرارة | درجة حرارة الغرفة - 400 درجة مئوية، درجة حرارة الغرفة - 500 درجة مئوية |
| البيئة | النيتروجين (جو خامل) |
النتائج والمناقشة
كما ورد في المراجع [3]، خلال عملية الحرق الأصلية، تخضع المعادن الطينية الموجودة في الطين الأحمر المحروق (مثل الإيليت والمونتموريلونيت) لعمليات التجفيف وإزالة الهيدروكسيل وإعادة التنظيم الهيكلي عند درجات حرارة محددة، مما يؤدي إلى تكوين بنية مجهرية شبه مستقرة. وعندما تكون درجة حرارة إعادة الحرق أقل من عتبة الحرق الأصلية، لا يحدث أي تغير طوري جديد داخل العينة، ويحدث فقط تمدد حراري فيزيائي، وبالتالي يتداخل منحنيتا التسخين. وعندما تتجاوز درجة حرارة إعادة الحرق درجة حرارة الحرق الأصلية، تحدث تفاعلات إضافية لا رجعة فيها أثناء التسخين الأول (مثل إزالة الماء الهيكلي المتبقي، وإصلاح عيوب الشبكة البلورية)، مما يؤدي إلى زيادة درجة التكثيف. وبالتالي، أثناء عملية التسخين الثانية، تنخفض قدرة التمدد الحراري للعينة، وهو ما ينعكس على المستوى الكلي من خلال انخفاض الميل والتحول العام لمنحنى dL/L₀ نحو الأسفل. وعلى هذا الأساس، يمكن تحديد نطاق درجة حرارة الحرق الأصلية.
وكما هو موضح في الشكل 2، يمكن ملاحظة ما يلي:
- في النطاق من درجة حرارة الغرفة (RT) إلى 400 درجة مئوية: يتداخل منحنى إعادة التسخين الأول (المنحنى [1]) ومنحنى إعادة التسخين الثاني (المنحنى [2]) بشكل شبه كامل خلال عملية التسخين بأكملها، مع انحدارات متطابقة تقريبًا (معاملات التمدد الحراري) في المنطقة الخطية وبدون أي انحراف واضح أو تحول نحو الأسفل.
- في النطاق من درجة حرارة الغرفة (RT) إلى 500 درجة مئوية: يتوافق اتجاه منحنى إعادة الحرق الثالث (المنحنى [3]) مع المنحنيين [1] و[2] عند درجات حرارة أقل من 400 درجة مئوية. ومع ذلك، يُظهر منحنى إعادة التسخين الرابع (المنحنى [4]) تغيرًا ملحوظًا أثناء التسخين، مع انزياح عام نحو الأسفل ومنحدر أصغر بشكل ملحوظ مقارنة بالمنحنيات الثلاثة السابقة. وللتحقق من النتيجة، تم إجراء عملية إعادة تسخين خامسة (المنحنى [5]) حتى 500 درجة مئوية. ويمكن ملاحظة أن المنحنى [5] يتداخل بشكل شبه كامل مع المنحنى [4]، مما يؤكد أن العينة تصبح مستقرة بعد التسخين إلى 500 درجة مئوية.
يرد في الجدول 2 متوسط معامل التمدد الحراري (m.معامل التمدد الحراري الخطي (CLTE/CTE)يصف معامل التمدد الحراري الخطي (CLTE) التغير في طول المادة كدالة لدرجة الحرارة.CTE) لكل منحنى إعادة حرق. وبناءً على نتائج الاختبار، يمكن استنتاج أن نطاق درجة حرارة الحرق الأصلي للعينة يزيد عن 400 درجة مئوية ولا يتجاوز 500 درجة مئوية.
الجدول 2: قيمة mCTE لكل منحنى إعادة الإشعال
| نطاق درجة الحرارة | المنحنى [1] | المنحنى [2] | المنحنى [3] | المنحنى [4] | المنحنى [5] |
| RT - 400 درجة مئوية | 9.71×10⁻⁶ كلفن-1 | 9.73×10⁻⁶ كلفن⁻¹ | 9.60×10⁻⁶ كلفن⁻¹ | 9.33×10⁻⁶ كلفن⁻¹ | 9.29×10⁻⁶ كلفن-1 |
| RT - 500 درجة مئوية | - | - | 11.40×10⁻⁶ كلفن⁻¹ | 10.76×10⁻⁶ كلفن⁻¹ | 10.69×10⁻⁶ كلفن⁻¹ |
ملخص
يعتمد استخدام مقياس التمدد (DIL) لتحليل درجات حرارة حرق الطين المحروق على عدم قابلية السلوك الحراري لمعادن الطين للانعكاس. ومن خلال تحديد التغير في ميل منحنى التمدد أثناء إعادة الحرق، يمكن لهذه الطريقة تحديد نطاق درجة حرارة الحرق الأصلي للطين الأحمر المحروق الأثري بدقة. تتميز هذه الطريقة بسهولة الاستخدام، ووضوح المعايير، والدقة العالية، والحد الأدنى من تلف العينات، مما يجعلها مناسبة للآثار الأثرية الثمينة. وهي تقنية موثوقة لتحديد درجة الحرارة القصوى للتسخين للآثار المحروقة المصنوعة من الطين. يجب استبعاد العمليات التي تتطلب درجات حرارة أعلى من درجة حرارة التمدد القصوى.